محمد بن أحمد النهرواني

255

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

فأقامه من دكانه وجلس معه يبيع الحلاوة ودار حوله أمراؤه يشترون منه الحلاوة وأخذ بيده الميزان وصار يزن لهم إلى أن جبرت الحلاوة ، وكانت له حركات من هذه الخرافات ، منها ما يضحك ، ومنا ما يبكى إلى أن سقط من أعين العسكر وسطوا عليه كما سطوا بالجسام الأبتر وسلخوه من الملك كما سلخ تلك الضعيفة بالخنجر ومزقوه كل ممزق : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ « 1 » . فمن غروره : أنه خرج متحقبا منفردا عن عبيده وخدمه متباعدا من حوله وحشمه ، فتوجه يمشى وحده إلى بر الجزيرة ، فأكمن له عشرة أنفس من مماليكبي أبيه في خبيئة على ممره ، فلما وصل إليهم ، وكان وحده منفردا خرجوا عليه من الخيمة وسلموا بلجام فرسه وضربوه بالسيف إلى أن قطعوه ، وجاءوا به مقتولا إلى القاهرة ودفنوه في تربة أبيه سنة 904 ه ، ثم ولوا بعده خاله الملك الظاهر أبو النصر قانصوة ، وهو خال الملك الناصر محمد بن قايتباى ، وكان ساد جاميا لا يعرف إلا بلسان الجركسى قريب العهد ببلده لأن السلطان قايتباى جلبه من بلاده وهو كبير وخطه الشيب ، وصار يرقبه بواسطة زوجته « حوندام الناصر » لأنه أخوها ، وهي التي أقامته مقام ولدها الناصر وبذلت له الأموال والخزائن ، وأرادت تقويه وإقامته مقام وإصلاحه ( ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر ) ، فما استكمله الجندي لحمل أعباء المملكة ، وما أهلوه السلطنة ، وكيف له بها ؟ وأنى له ؟ ! فخلعوه بعد أن ساسهم سنة وسبعة أشهر ، وأخرجوه من الملك في أواخر سنة 905 ه ، وولى مكانه الملك العادل جان بلاط وتلقب بالملك الأشرف جان بلاط في أوائل سنة ست وتسعمائة ، ولا تهنأ بالسلطنة ، ولا وافقه أحد عليها ، وخلع بعد ستة أشهر ، وولى مكانه الملك العادل طومان باي ، فما استكمل يوما واحدا ، بل هجم عليه العسكر وقتلوه فما قدم أحد من الأمراء . وكانت العساكر متوفرة ، وكلهم يشير بعضهم على بعض في الجلوس على تخت الملك فاتفقوا على أن يولوا قانصوه الغورى لأنهم رأوه لين العريكة

--> ( 1 ) الآية رقم 33 من سورة القلم ، مدنية .